السيد الرئيس،

أيتها السيدات ، أيها السادة ،
يسجل اليوم إجماع حول اعتبار الرشوة ، بغض النظر عن الإستنكار الأدبي الذي تحدثه ، تهديدا محدقا بالمستقبل الإقتصادي و الاجتماعي لبلد ما إلى درجة بروز ضرورة وضع سياسات و إجراءات ردعية و متنوعة للقضاء على أسبابه و التصدي لآثاره على المستويين المتوسط و البعيد .
إن اتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد تضمنت مقارنة شاملة و متعددة الأبعاد لمعالجة ظاهرة الرشوة ، مع التوصية باتخاذ في نفس الوقت إجراءات متعلقة بالسياسات الوقائية و القمعية ، بالتعاون الدولي و باسترجاع الودائع و بالتعاون التقني و بتبادل المعلومات .
في مجال الوقاية ، تنص الإتفاقية على أن : "كل دولة متعاقدة تعدّ و تطبق عملا بأحكام المبادئ العامة لنظامها القضائي سياسات وقائية ناجعة و منسقة ضد الفساد تدفع بمشاركة المجتمع و تبرز مبادئ دولة القانون ، حسن تسيير الشؤون العامة و الممتلكات العمومية ، النزاهة و الشفافية و المسؤولية "

إن لرنامج عمل 2012 – 2015 للهيئة الوطنية للوقاية و محاربة الفساد قد تم إعداده مع الأخذ بعين الإعتبار هذا الإطار المرجعي و كذلك السلوكات الفاضلة التي تؤديها الدول المتعاقدة .
من مميزات هذا البرنامج أنه يتضمن في ذات الحين أعمالا ذات طابع متعدد القطاعات , يهدف من ورائها تثمين الآثار و الإنعكاسات الأكثر تأثيرا في مجال الوقاية من الفساد ، فضلا عن مسعى منهجي يرمي إلى الحد بصفة موضوعية من أسباب و مظاهر الفساد و يسمح بقياس آثاره .
يتعلق الأمر بالنسبة للمحور الأول :
- وضع على مستوى الهيئة الهندسة الإدارية ، التقنية و التنظيمية الضرورية لمعالجة التصريح بالممتلكات المتعلقة بفئات الأعوان العموميين السالف ذكرهم ،
- ترقية ، إدماج و تعميم نصوص الأخلاقيات و السلوك لإضفاء ثقافة المسؤولية و الشفافية و النزاهة على الأعمال الإدارية و الإقتصادية ،
- ترقية برنامج لمحاربة التماطلات و التعقيدات و الإنحرافات البيروقراطية على مختلف أنواعها و التي يمكن أن تشكل أحد الأسباب التي لا يستهان بها للفساد ،
- ترقية أعمال التكوين و التربية و التحسيس في مجال محاربة الفساد لصالح الإطارات و مسيّري الإدالاة و القطاع الإقتصادي و لفائدة الشباب و المجتمع المدني .

فيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة ، و بما أننا نحيي اليوم العالمي لمحاربة الفساد ، و الذي يرمي إلى ترقية و التعريف بمحتوى و أهداف الأمم المتحدة ضد الفساد و لا سيما الأهمية التي توليها لتحسيس و إشراك المجتمع المدني ، أودّ أن ألقي لعض الإضاءات حول محتوى الأعمال التي تنوي الهيئة القيام بها في هذا المجال .
إن الهيئة و تجسيدا لهذا الهدف ، تنوي تعث الأعمال التالية :

1 – ترقية و تنظيم دورات تدريبية حول ظاهرة الفساد لفائدة الأعوان العموميين الذين يزاولون نشاطاتهم في الإدارات المركزية و المحلية و المستخدمين الذين يشتغلون في القطاع العمومي و كذا المستخدمين في وسائل الإعلام .
2 – مضاعفة الحملات التحسيسية لفائدة الجمهور العريض باللجوء إلى كل وسائل الاتصال من أجل ترقية القيم الروحية و التقليدية المضادة للفساد و المتعلقة بانزاهة و الاستقامة و التضامن و الإيثار .
3 – إعداد و إنجاز برنامج واسع للتحسيس و التكوين لصالح فئة الشباب عن طريق :

 

  • . رسم برامج تربوية مضادة للرشوة على مستوى المدارس و الاكماليات و الثانويات من جهة و في قطاع التكوين المهني من جهة أخرى حتي يتم تلقين ثقافة رفض الفساد للتلاميذ ،
  • . إدماج برامج خاصة بدراسة ظاهرة الفساد ، إنواعها و ميكانيزماتها و مظاهر تجسيدها على مستوى مؤسسات التعليم العالي و لا سيما كلية الحقوق و العلوم الإنسانية ، مدارس التجارة و البنوك ، معاهد المالية و الضرائب و الجمارك .

4 – تشجيع البحوث الجامعية المخصصة للتعمق في معرفة ظاهرة الفساد على وجه الأخص و آليات الإقتصاد الموازي و الممارسات غير القانونية فصفة أعمّ و التي تتفاعل مع الفساد تفاعلا واضحا .

السيد الرئيس ،
أيتها السيدات ، أيها السادة ،
إن المحور الثاني لبرنامج العمل 2012 – 2015 يطمح لتطوير و بصفة تدريجية معرفة واسعة و موضوعية قدر الإمكان ، لوضعية الفساد في الجزائر، الإحصائيات المتعلقة به ، إنتشاره بالاضافة لأسبابه و آثاره و مظاهرة .
بالفعل ، نفتقر للكثير من المعلومات حول حقيقة الفساد في بلادنا و عليه ، أصبح من الضروري و العاجل الإلمام بهذا المجال الجديد من المعرفة بإدماجه في مقاربة علمية و عقلانية مع إدراك المصاعب التي تواجه الإلمام بهذه الظاهرة الخبيثة التي تقوم على قواعد خاصة و تنمو وسط الضبابية .

في حدود معرفتنا ، يسجل وجود سبر آراء وحيد قام به في 2006 المركز الوطني للدراسات و التحاليل حول السكان و التنمية (CENEAP) في إطار الآلية الإفريقية للتقييم من طرف النظراء .
إن عملية سبر الآراء هذه أفرزت ثلاثة استنتاجات :
- يعد الفساد من بين الإهتمامات الثلاثة الرئيسية للمواطنين بعد البطالة و اللامساوات الإقتصادية ،
- يعتبر %20 من المستجوبين أن الفســاد منتشر بقوة في حين عبر 40% عن اعتقادهم أن هذا الإنتشار متوسط ،
- يحدد % 37 من المتسجوبين ظاهرة الفسـاد على مستوى الإدارات ،
%13 على مستوى القطاع المالي و % 9 على مستوى قطاعات العدالة .

 

بصفة عامة ، يمكن استخلاص من سبر الآراء هذا ، إدراك فعلى لهذه الظاهرة مع عجز في قياسها .
نفس الاستنساج يمكن الوصول إليه حول التقديرات الأجنبية للفساد في الجزائر و التي لا تستند لدراسات موضوعية و التي لا يمكن التصدي لها بسبب افتقادنا لأدوات التحليل و المقاييس الإحصائية لحقيقة الرشوة في الجزائر، كسد للإجابات المقنعة الواجب إعطاؤها . في هذا الإطار و تجاوبا مع هذا الإهتمام فإنه من المزمع الشروع في الأعمال التالية :
- إعداد تقييم زمني لظاهرة الفساد على أساس معالجة إحصائية لأعمال الفساد بغرض إعداد خريطة حول هذا الموضوع ،

- الشروع في دراسات للإلمام بأكثر فعالية بظاهرة الفساد لا سيما من حيث أنواعها و الأسباب الاجتماعية و الإقتصادية التي تعد سببا لبروزها و تطورها ،
- الشروع في تحقيقات و عمليات سبر آراء لمعرفة حقيقة ظاهرة الفساد في المصالح العمومية ، لا سيما تلك المرتبطة بالمواطنين و بأوساط الأعمال ،
- تقييم الرهانان المالية المتعلقة بالنشاطات غير المصرح بها و / أو غير القانونية بالنظر لآثارها المضاعفة على ممارسات الفساد .

إن المحور الثالث لبرنامج العمل ينصب حول أحد النشاطات الأكثر تعرضا لظاهرة الفساد و المتمثل في الصفقات العمومية .
إن قطاع النشاط هذا يكتسي خصوصية يعتبرها الأخصائيون مفارقة غريبة من حيث أن الصفقات العمومية تعتبر في آن واحد ، النشاط الأكثر تأطيرا من الناحية القانونية و من ناحية الرقابة و تعد في نفس الوقت أحد النشاطات الأكثر عرضة لممارسات الفساد و الغش .
إن تقييم مخاطر الفساد سينصب في مرحلة أولى حول تحليل الترتيبات القانونية التي تؤطر إبرام و تنفيذ الصفقات العمومية ، بالنظر للمقاييس الدولية في مجال الإدارة الرشيدة للصفقات العمومية .
ستتم دراسة مخاطر الفساد الناجمة عن نوعية التنظيم ، تسيير الإجراءات و كفاءة مختلف المتدخلين في مسار إنجاز الصفقات العمومية .
كما سيتم التطرق لمختلف مخاطر الفساد الناتجة عن سوء إبرام الصفقات العمومية و الذي ينجرّ عنه تأخرات و زيادة في التكاليف و التي قد تولد بؤر فساد على ضوء الفوضى التي تتولد عن عدم السيطرة على هذه العمليات .

بالإضافة إلى ذلك سيتم إدخال و تطوير تقنيات جديدة في مجال التأمين و الرقابة على شاكلة تدقيق الصفقات العمومية و إقامة خريطة للمخاطر .

سيتم تطوير و تعميم هذه التقنيات الجديدة في القطاعات التي تسير الميزانيات الأكثر أهمية من حيث القيمة ، كالأشغال العمومية ، الري ، الفلاحة، النقل ، السكن و الصحة العمومية. كما سيتم إيلاء أهمية خاصة للصفقات العمومية المتعلقة بالخدمات و التعاون التقني .